جلال الدين الرومي
34
فيه ما فيه
المضحك أيها الملك إنني لست أعمى وكذلك إن رأيت فيه شيئا وأغضبك فهو ليس أعمى فهو يرى فيك نفس ما تراه فيه . عند الله ( الأنا ) لا تسع الاثنينية ، أنت تقول ( أنا ) وهو يقول أما ( أنا ) أو أنت ؛ فمت عنده أو فليمت هو عندك حتى تزول الاثنينية . أما أنه يموت فهذا خارج الإمكان لا يموت في الذهن ولا في خارجه ( وهو الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) له هذا اللطف وهو إذا أمكنك مت من أجله لكي تزول الاثنينية ، وبما أن موته مستحيل فمت أنت حتى يتجلى عليك وتنعدم الاثنينية . تعقد طائران حييّان معا ومع أنهما من جنس واحد ولكل منهما جناحان ولهما أربعة أجنحة فلا يطيران ؛ لأن الاثنينية قائمة بينهما أما إذا كان واحد منهما ميّتا طار الآخر ؛ لأن الاثنينية قد زالت . وللشمس هذا اللطف وهي أنها تموت أمام الخفاش ولكن بما أنه لا يمكنها أن تنادى أيها الخفاش قد أصاب لطفى الجميع وأريد أن أحسن إليك فمت بما أن موتك ممكن حتى تستفيد من نور جلالي وتخرج وهو أن يفتدى الحبيب بنفسه . كان يطلب هذا الحبيب من الله ولم يكن الله ليقبل ، وجاءه نداؤه لا أريده أن تراه فكان عبد الله يلح في طلبه ولا يكف عن الدعاء : رب قد أودعت فىّ طلبه ولا يبارحنى فأتى نداء الحق في النهاية هل تحب أن يلبى طلبك افتدنى بحياتك وافن ولا تبق وغادر العالم فقال رضيت يا رب ، ففعل ذاك وافتدى الحبيب حتى تحقق أمره ؛ فإذا حصل للعبد هذا اللطف وهو أن يفتدى الله بعمر لقاء عمر يساوى يوم واحد منه إعمار جملة العالم أوّلا وآخرا ، وهذا اللطف ليس لطفا في حق خالق اللطف محال هذا الأمر لكن بما أن فناءه مستحيل فافن أنت .